الشوكاني
503
فتح القدير
تتقابل . وروى عن عطاء أنه قال : امره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره . وقال سليمان التيمي : المعنى : وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك ، وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره ، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم التقييد له ، وسيأتي إن شاء الله ( إن شانئك هو الأبتر ) أي إن مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم ، فيعم خيري الدنيا والآخرة ، أو الذي لا عقب له ، أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته . وظاهر الآية العموم ، وأن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غير مرة . قيل كان أهل الجاهلية إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا : قد بتر فلان ، فلما مات ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال : بتر محمد ، فنزلت الآية . وقيل القائل بذلك عقبة بن أبي معيط . قال أهل اللغة : الأبتر من الرجال : الذي لا ولد له ، ومن الدواب : الذي لا ذنب له ، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر ، وأصل البتر القطع ، يقال بترت الشئ بترا : قطعته . وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال " أغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إغفاءه فرفع رأسه مبتسما فقال : إنه أنزل على آنفا سورة ، فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ) حتى ختمها قال : هل تدرون ما الكوثر ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك " . وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر ، قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله " وقد روى عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة أنها سئلت عن قوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) قالت : هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في بطنان الجنة . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه نهر في الجنة . وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) قال : نهر في الجنة ، وحسن السيوطي إسناده . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد مرفوعا " أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر ، فقال : أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ " . وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلا قال : يا رسول الله ما الكوثر ؟ قال : هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة ، فيتعين المصير إليها ، وعدم التعويل على غيرها ، وإن كان معنى الكوثر : هو الخير الكثير في لغة العرب ، فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغوي . كما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال : قال محارب بن دثار : قال سعيد بن جبير في الكوثر : قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال : هو الخير الكثير ، فقال : صدق إنه للخير الكثير . ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت ( إنا أعطيناك الكوثر ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت ، تربته أطيب من المسك ، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من